مير سيد علي الحائري الطهراني ( المفسر )

215

تفسير مقتنيات الدرر

المستقبلة الخوف فبحصول العقل وكونه فيه يتألَّم بالآلام النفسانيّة الشديدة القويّة وأمّا اللذّات الجسمانيّة فهي مشتركة بين الإنسان وبين سائر الحيوان لأنّ السرقين في مذاق الجعل طيّب كما أنّ اللوز في مذاق الإنسان طيّبة . إذا ثبت هذا فلو لم يحصل للإنسان معاد - وبه تكمل حالته وتظهر سعادته - لوجب أن يكون كمال العقل سببا لمزيد الهموم والغموم من غير جابر يجبر ، وكلّ ما كان كذلك يوجب مزيد الشقاء والتعب الخالي عن المنفعة فثبت أنّه لولا سعادة الآخرة لكان الإنسان أخسّ من الحيوانات حتّى الخنافس والديدان فثبت أنّ الإنسان خلق للبقاء والآخرة لا للفناء والدنيا . ثمّ هاهنا بيان آخر وهو أنّه لا شكّ أنّ الإنسان وبدن الحيوان إنّما تولَّد من النطفة وهذه النطفة اجتمعت من البدن ، ومادّة النطفة إنّما تولَّدت من الأغذية المأكولة والأغذية تولَّدت من الأجزاء العنصريّة وتلك كانت متفرّقة في مشارق الأرض ومغاربها وألفت الأجزاء إذا اجتمعت فتولَّد منها حيوان أو نبات فأكله إنسان فتولَّد منه دم فتوزّع الدم على أعضائه فتولَّد منها أجزاء لطيفة منويّة فعند استيلاء الشهوة سال من تلك الرطوبات مقدار في فم الرحم فتولَّد منه هذا الإنسان فثبت أنّ الأجزاء الَّتي تولَّد منها بدن الإنسان كانت متفرّقة في العناصر فلمّا اجتمعت بالطريق المذكور تولَّد منها هذا البدن ، فإذا مات تفرّقت تلك الأجزاء على مثال تفرّق الأوّل وإذا ثبت هذا وجب القطع بأنّه لا يمتنع أن يجتمع مرّة ثانية على مثال الاجتماع الأوّل مع أنّا نقطع بأنّ هذا الإنسان الشيخ المنحني هو عين ذلك الإنسان الَّذي كان في بطن امّه ثمّ انفصل وكان طفلا ثمّ شابّا وأنّ الأجزاء البدنيّة دائمة التحلَّل وأن الإنسان هو هو بعينه فالإنسان إمّا أن يكون جوهرا مفارقا مجرّدا وإمّا أن يكون جسما نورانيّا لطيفا باقيا مع تحلَّل هذا البدن ، وعلى التقديرين لا يمتنع عوده إلى الجثّة مرّة أخرى فيكون هذا الإنسان العائد عين الإنسان الأوّل . واعلم أنّ إثبات الشيء لا يعقل إلَّا بطريقين : أحدهما أن يكون مثله ممكنا فيكون